ابن خلدون
182
تاريخ ابن خلدون
واتصل بالسلطان أبي عنان وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الأرض وأكثرما كان يحدث عن دولة صاحب الهند ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل مدينته من الرجال والنساء والولدان وفرض لهم رزق ستة أشهر تدفع لهم من عطائه وأنه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافة إلى صحراء البلد ويطوفون به وينصب أمامه في ذلك الحقل منجنيقات على الظهر ترمى بها شكائر الدراهم والدنانير على الناس إلى أن يدخل إيوانه وأمثال هذه الحكايات فتناحى الناس بتكذيبه ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن وردار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه فقال لي الوزير فارس إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن وذلك أن وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربي فيها ابنه في ذلك المجلس فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها فقال له أبوه هذا لحم الغنم فقال وما الغنم فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها فيقول يا أبت تراها مثل الفار فينكر عليه ويقول أين الغنم من الفأر وكذا في لحم الإبل والبقر إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفار فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر ولهذا كثيرا ما يعتري الناس في الاخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عند قصد الاغراب كما قدمناه أول الكتاب فليرجع الانسان إلى أصوله وليكن مهيمنا على نفسه ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته فما دخل في نطاق الامكان قبله وما خرج عنه رفضه وليس مرادنا الا مكان العقلي المطلق فإن نطاقه أوسع شئ فلا يفرض حدا بين الواقعات وإنما مرادنا الا مكان بحسب المادة التي للشئ فانا إذا نظرنا أصل الشئ وجنسه وصنفه ومقدار عظمه وقوته أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله وحكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه وقل رب زدني علما وأنت أرحم الراحمين والله سبحانه وتعالى أعلم